إعلان

مصير حلم التألّه الإنساني

د. أحمد عمر

مصير حلم التألّه الإنساني

د. أحمد عبدالعال عمر
07:00 م الأحد 13 مارس 2022

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

منذ وُجد الإنسان على الأرض، تطلع بروحه إلى السماء ليبحث عن قوة أكمل من قوته، وصورة أجمل من صورته تمثل الكمال والجمال اللامتناهي؛ وانطلاقًا من هذا الشعور نشأ الدين، وكان العنصر الجوهري فيه هو الإيمان بذات متجاوزة لعالم المادة، وخالق للكون والبشر، ومسيطر عليهما بقوة وقدرة لامتناهية.

وقد كان هذا النزوع الإنساني إلى اكتشاف الألوهية السامية القوية والمسيطرة، التعبير الفعلي عن افتقاد الإنسان إلى الصورة المثالية الكاملة التي تُمثلها الألوهية، ومن ثم فقد سعى الإنسان منذ القدم إلى رسم صورتها والتواصل معها؛ فلجأ حينًا إلى الكهانة والسحر وما صورته مخيلة الشعراء من أساطير، وحينًا آخر إلى العقل الفلسفي وتصوراته، وفي النهاية ركن إلى الوحي الديني بالمفهوم التوحيدي في الديانات الثلاث وهي، اليهودية والمسيحية والإسلام.

غير أن اكتشاف الإنسان للألوهية في الكون، خلق بداخله رغبة غير إنسانية جسدت أول "مفُارقة" عرفها تاريخ الإنسان الديني والفكري، وظهرت تلك المُفارقة في حلم الإنسان الضعيف الفاني إلى أن يصير إلهًا، وأن يُشارك الألوهية خصائصها المميزة، مثل المعرفة الكاملة، والقدرة المطلقة، والسيطرة التامة، والسعادة المفرطة، والخلود، وأن يصير مثل الإله كائنًا مستقلًا مكتفيًا بذاته، وقادرًا على رسم وصنع مصائر الآخرين والتحكم فيها.

ويمكن أن نجد صورة كثيرة لهذا الحلم الإنساني بالتأله في الأساطير والديانات القديمة في الشرق والغرب.

كما عبر عنه كتاب العهد القديم في "سفر التكوين" الذي روى قصة آدم وحواء، اللذين زين لهما الشيطان الأكل من شجرة المعرفة لكي يصيرا مثل الإله خالدين وعارفين للخير والشر.

ولا شك أن حلم آدم وحواء بالتألّه قد انتهى نهاية تراجيدية؛ فالإنسان الذي رفض إنسانيته، قد فشل في أن يصير إلهًا، وعندما أُخرج من الفردوس، وسقط على الأرض عقابًا له على طموحه غير الإنساني، اكتشف عريه، ورأى ذاته على حقيقتها، وأدرك أنه إنسان وليس إلهًا، وأن عليه أن يقنع بمحدودية طبيعته، وضعفه وهشاشة وجوده، وأنه مهما بلغت قوته وسيطرته فإن قدرته غير مطلقة، وحياته محدودة في الزمان والمكان، ووجوده المادي إلى فناء وزوال.

لكن يبدو أن حلم الإنسان بالتألّه، قد ظل كامنًا داخل ذرية آدم وحواء، وينتعش من وقت لآخر عند بعض الحكام والملوك وهل السلطة والمال والنفوذ والفلاسفة والعلماء على وجه الخصوص، كلما زادت قوتهم ومعارفهم وتعاظمت أوهامهم.

وقد ذكرت لنا كتب التاريخ والأدب أن النهاية التراجيدية وأحيانًا الكوميدية، كانت المصير والفصل الأخير في حياة كل إنسان ضلّلته أوهامه عن ذاته، ومعارفه وقوته المادية، وجعلته ينسى طبيعته وحقيقة وجوده، ليطمح لأن يصير مثال الإله عالمًا بكل شيء، ومسيطرًا على كل شيء، وصانعًا لمصائر الكون والبشر.

بداية من مصير أبانا آدم وأمنا حواء، وهبوطهما من الفردوس عقابًا لهما على مخالفة أوامر الله، ومرورًا بفرعون موسى الذي قال "أنا ربكم الأعلى"، والفيلسوف اليوناني إنبادوقليس الذي ادعى الألوهية، وقذف بنفسه في فوهة بركان، ليثبت للناس ذلك، فالتهمته النيران وقذفت للبشر بحذائه كما تروي سيرته، ونهاية بالأباطرة الرومان المجانين المتجبرين مثل كاليجولا ونيرون، وانتهاء بهتلر وموسوليني وشاوشيسكو، وكل طغاة التاريخ.

لكن يبدو أن الإنسان يتجاهل عن عمد قراءة كتب التاريخ والتراجيديا واستخلاص الحكمة والعبرة منهما، ولهذا لا يزال يطمح لحلم التأله والتحكم في مصير البشر والكون بشكل كامل، ويتجاهل أن لهذا الكون ربًا خالقًا ومدبرًا، يرسم ويصنع المصائر، وهو قادر دائمًا على قلب مخططات الإنسان، وأن ينقض أوهامه حول ذاته، ويًحطم غروره وقوته، لكي يُثبت لهذا الإنسان الواهم أنه ليس إلهًا.

محتوي مدفوع

إعلان

إعلان

El Market