في تطوير ثقافة العيش والحياة ..

د.هشام عطية عبد المقصود

في تطوير ثقافة العيش والحياة ..

07:00 م الجمعة 19 نوفمبر 2021

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

هي ربما حكاية قديمة أو حتى بعض من أثر لسلوكيات عرفناها وعبر مثال متكرر من أيام الصبا، تكمن أهميتها في أنها تقدم شيئا دالا على بعض طرائق التفكير وسلوكيات التفاعل المستقرة التي تعيش معنا وتحدد أحيانا سلوكياتنا كأفراد في التعامل مع المواقف التي تقتضي إدارة وقرارا ما صغر منها وما كبر، وأيضا هذا المثال يؤشر إلى بعد خفي من تعبيرات وتضمينات سلبية في الثقافة المجتمعية مما عاش معنا عقودا، وحيث حضرت صورته متكررة في زمن ما قبل حلول المصاعد وسيلة صعود وهبوط في أغلب المنازل، تلك التي لم تكن تزيد حينئذ- ذات زمان بعيد مضى- عن عدة طوابق قليلة، وقبل أن تصير شبه ناطحات تقتضي ما هو لازم بالضرورة من مصعد بل ومصاعد تيسر حركة الانتقال صعودا وهبوطا.

كان السلم هو مصعد تلك الأيام لعموم البشر فى أغلب المنازل، وكانت درجات ذلك السلم التى تمضى ملتفة عبر الطوابق المتتالية هي الطريق، سلالم يتقافز عليها الصغار ويصعد عليها الكبار تمهلا بينما تتشبث أياديهم عونا وأمنا بالسور المتوسط الارتفاع الذي يحيط بدرجات السلالم في التفافها، كانت كثرة الاستخدام اليومي تلك تصنع مع الوقت تآكلا بسيطا في حواف واحدة أو أكثر من درجات السلم وفي طابق أو آخر منه، تآكل يبدأ غير ملحوظ وربما حتى لا يسبب أذى، ثم يزيد مع الوقت ليكون ملحوظا وربما معوقا ثم ليمتد حتى ليكاد أن يتوسط درجة السلم نفسها، مع الوقت تصير درجة السلم تلك وطابقها معروفين محددين، تصحو ثم تمضي نحو وجهتك متسرعا فتلاقيك فجأة تلك الدرجة، وقد تكون سعيد الحظ حينها فتتنبه إليها متفاديا، وفي كل الأحول ستضع في عقلك أن هناك درجة معطوبة في السلم يجدر دوما عند المرور بها أن يرن جرس ذاكرتك لتتفاداها ثم تمضي الأيام.

سيتعثر بها آخرون من سكان ذات المنزل ويمضون أيضا، سيهتم البعض عبورا بفكرة إصلاحها وربما يقررون ذلك مع تأكيد بأن يكون ذلك سريعا، لكنهم دون اتفاق سينتظرون مبادرة من آخرين، سيمضي أيضا وقت طويل وسيتعلم كل من في البيت من السكان كبارا وصغارا أن يمروا متفادين عرقلة وأذى تلك الدرجة من السلم، لتكون جزءا "طبيعيا" من السلم بعد ذلك يمر به الجميع معتادين وهم يألفونها دون كبير من دهشة، وليبقى ما يقوم به البعض أحيانا من جمع ما يتناثر كل فترة من تهدمات جديدة هى بمثابة تذكرة بالنوايا الحسنة في إصلاحها بشكل كلي والتى لم تدخل يوما حيز الفعل.

ستكبر المسألة وتشكل عائقا وضررا جما لا يمكن تلافيه مع الوقت، وحينها سيُذكر أحدهم الآخر بأنه صار من الضروري تماما بل من الواجب الملح ومن أجل سلامة المارين أن يتم إصلاح تلك الدرجة المكسورة وترميم ما يبدو أنه في طريقه لذلك من درجات أخرى في السلم.

ربما يقررون ثم يتمهلون منتظرين من يبادر، وقد يتأخر الفعل كثيرا حتى يصحو الجميع على صوت صرخات ألم من زائر أو وافد جديد لم يعلم قصة درجة السلم المكسورة، وسيسارع الجميع نحوه إنقاذا، وهم يحملون قدرا من الأسى والندم، هنا وفقط بعد أن تهشمت عظام الضحية المسكين تبدأ جدية العمل، وستغيب كل الأعذار السابقة من البحث عن عامل ماهر وتوفير الخامات وسيبادر كثيرون بالمشاركة بالجهد، وستكون التكلفة قد تصاعدت عدة مرات والضرر انتشر وتمدد وسيكون ذلك الترميم الصغير قد صار عملا كبيرا يحتاج ما يشبه إعادة بناء جديدة.

سيدرك الجميع وقتها كم كان الأمر هينا تماما لو تم منذ بدء الأمر إصلاح تلك الدرجة المكسورة وترميم غيرها، وكم أن الصعود سيبدو أيسر بعدها حين امتدت يد الترميم لتضيف أثرا من تقوية لما يحتمل أن يحتاج من درجات، وأن ذلك فى عمومه هو ضرورة لكى تعود الحياة إلى طبيعتها وجدارتها.

كل عشوائية وكل إهمال فى الحياة هو تلك الدرجة المكسورة من السلم، يشارك البعض فى تعظيم مخاطرها التى تزداد من جراء كل غفلة وإهمال صغير وعشوائية وتضارب يكبر مع الوقت ليصير اعتياديا وسلوكا ثم نمط حياة، رغم أنه جميعه يمكن أن يكون قابلا لأن يقدم حالة حضور مكتمل وذلك حين يمتلك البشر الذين ينخرطون فيه تخطيطا مستقرا وإدراكا وفهما للأولويات وإدراكا لإلحاح توقيتاتها ونزعا لتداخلها، ثم وقبل ذلك وبعده مخاصمة لعشوائية القول والفعل سلوكا ونهجا.

إعلان

إعلان

Masrawy Logo loader

إعلان

خدمة الاشعارات

تلقى آخر الأخبار والمستجدات من موقع مصراوي