إعلان

عندما يفقد المجتمع أخلاقه

خليل العوامي

عندما يفقد المجتمع أخلاقه

خليل العوامي
07:00 م الإثنين 10 يناير 2022

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

عرفت البشرية حضارات وإمبراطوريات ودولاً عديدة، كانت ملء السمع والبصر، وكلها ذهبت دون رجعة، ومنها من ذهب غير مأسوف عليها دون حتى أثر يذكر أو قيمة تضاف للبشرية، ومنها من ترك بصمات ملموسة في الحضارة الإنسانية كلها، يأتي على قمة كل هؤلاء الحضارة المصرية القديمة.

فلم تكن مصر أقدم دولة مركزية عرفها التاريخ فقط، ولم يكن إرثها للبشرية مجرد عمارة فائقة الجمال والتطور، ومبان ضمن عجائب الدنيا لا يزال العالم يبحث فيها ويحاول فك شفرتها، فهذا كله على أهميته، تركت الحضارة المصرية ما هو أهم وأبقى، تركت الضمير الإنساني والأخلاق.

ففي مصر القديمة اكتشف ضمير الإنسانية، كما قال المؤرخ الأمريكي الشهير جيمس هنري برستد في كتابه المهم "فجر الضمير" هذا الضمير الذي تولّد عنه عصر الأخلاق في وادي النيل.

هذه المنظومة المتكاملة من القوة والطاقات البشرية والثروات، والعلم والعقل، والتشييد عندما كانت تكسوه منظومة محكمة من الأخلاق، ويحركها الضمير أنشأت حضارة كانت ولا تزال باقية، قال عنها الأديب الكبير نجيب محفوظ "مصر كانت ومن بعدها جاء التاريخ".

وهذا الضمير وتلك النزعة الأخلاقية هي التي تحكم الأفراد والمجتمعات، وهي التي تضع دستورا لتعامل الناس مع بعضهم، وحدا فاصلا بين حقوق المواطن وحرياته ورأيه وقناعاته ومعتقده، وبين حدود الآخرين وحرياتهم وقناعتهم ومعتقداتهم.

هذا الضمير وتلك الأخلاق هي التي تمنع صاحبها من التغول على حقوق وقناعات الآخرين، وتمنعه من فرض وصايته على غيره، بسلاح الدين مرة، وبأسلحة القيم والأخلاق والعادات والثقافة مرات.

فمنظومة قيم وقناعات الأفراد، وإن كانت في كثير من الأحيان تشكل في مجموعها السائد في المجتمع من قيم، وتكون جزاء كبيرا من قناعاته، إلا أنها تظل فردية، ويجب أن تبقى كذلك، فعندما تتلاشى الاختلافات في الرؤى وتقدير الأمور، وحتى الأخلاق، عند الأفراد، أو يتم السيطرة عليها، وعندما تحاول جماعات، مهما كان حجمها أو طريقة تفكيرها، فرض ما يتوهمون أنه أخلاق أو قيم أو ثقافة المجتمع (كل المجتمع)، تقع الكارثة .. إذ تبدأ عملية القولبة والتنميط، وتكون الحريات والقناعات الخاصة رجز من عمل الشيطان، ويتحول كل صاحب رأي مخالف لخارج عن المجتمع، متجاوزا لأخلاقه وقيمه، ويصبح كل صاحب نظرة مختلفة فاسدا أو خائنا أو فاسقا منحلا، وبالتالي فهو يستحق اللعنات والتشهير والتجريس اجتماعيا، بل والجرجرة في المحاكم ببلاغات من حماة المجتمع وحراس الحسبة.

وللأسف فأي مواجهة بين هذا الفرد المختلف، وبين ومجتمعه تكون محسومة لصالح الأخير، وكيف لا وهذا هو المجتمع المقدس، كل من يعيش فيه يرى رأيه هو الحق المطلق أو والحقيقة المجردة... وعند هذا يفقد المجتمع أخلاقه رغم توهمه أنها مترسخة فيه.

هذا المجتمع الذي يحاكم ويحكم بالإعدام على مدرسة ذهبت في رحلة ترفيهية مع زملاء بالعمل، ويشهر بها ويفضحها.

هذا المجتمع الذي يشهر ويتقول على فتاة فقدت كل أمل في الأمان وتساوت عندها الحياة بالموت فذهبت إلى ربها آملة في حياة أفضل.

هذا المجتمع الذي يصدق الإشاعات والكذب دون تحقق، وينشره دون دليل، ودون مراعاة لما قد يسببه هذا من آلام وإيذاء للآخرين.

هذا المجتمع الذي تمتلئ صفحات كثير من أفرداه على مواقع التواصل الاجتماعي بمفردات دينية، وأحاديث، وحكم، ولا يفهمونهما أو يطبقونها على تصرفاتهم.

هذا المجتمع قد يعيش كثيرا، وقد يبني دولة قوية ولكنه سيزول وتزول دولته، وتنتهي دون ذكر يذكر.

هذا المجتمع يحتاج إعادة بناء وتأهيل تتشارك فيها الأسرة مع المدرسة ودور العبادة مع الأندية الثقافية والرياضية والإعلام .. وإن كان الأمر سيحتاج إلى سنوات كثيرة ومجهود كبير إلا أنه لا غنى عنه إن أردنا مجتمعا تحكمه الأخلاق والضمير.

محتوي مدفوع

إعلان

إعلان

El Market

خدمة الاشعارات

تلقى آخر الأخبار والمستجدات من موقع مصراوي