إعلان

مجدي الجلاد يكتب: حين رأيت الله..! (1)

الكاتب الصحفي مجدي الجلاد

مجدي الجلاد يكتب: حين رأيت الله..! (1)

04:38 م الأحد 11 أبريل 2021

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

ربما يكون مناسباً أن أروي لكم تفاصيل التجربة، التي غيّرت نظرتي للحياة.. لعلها ترسم لكم صورة نادرة، ما كنت أظن أنني سأراها بهذا الوضوح..!

البداية لحظة، لم يكن أمامي فيها سوى «التسليم».. وقبل التسليم كان الرضا.. وحين رضيت وسلمت وخضعت.. أتاني اليقين، ورأيت الله في غرفة العمليات..!

كان صباح الاثنين 8 مارس المنقضي، ليس كأي صباح.. فبعد دقائق، سوف أتمدد على «خيط رفيع» بين الحياة والموت.. ذاك الخيط الذي يُشعرك أن الحياة لحظة خاطفة، وأن الموت يجري أسرع من الدم في حبل الوريد..!

إنه هو ذاته «حبل الوريد» الذي سيجري المشرط على جداره الرقيق.. جراحة دقيقة جداً جداً، لاستئصال ورم حميد متشابك، في الشريان السُباتي المُغذي للمخ.. سوف يفتحون رقبتي وأنا «صاحي».. نعم.. لابد أن أكون مُستيقظاً.. إذ قال لي الجراح الكبير الدكتور عمرو جاد «من الأفضل ألا تخضع لتخدير كلي.. أُريدك واعياً، منتبهاً، لأننا نعمل في منطقة مُزدحمة بالأعصاب والشرايين والأوعية الدقيقة.. فما رأيك؟!».. لم أنطق بكلمة.. إذ عقدت الصدمة لساني..!

فيما بعد، وحين قرأت عن الجراحة الخطيرة.. فهمت أن الطبيب ترك لي الاختيار: إما أن أتجنب هول اللحظة، وأختار النوم الكلي، أو أخضع لتخدير موضعي، لأُصبح شاهد عيان على «ابتلاء العمر»..!

الخيار الأول، يعني أن أنام، وأستيقظ، أو لا أستيقظ.. وإن استيقظت، ربما أفتح عيني على حياة مُختلفة تماماً.. فالاحتمالات كثيرة: جلطة في المُخ، أو نزيف حاد، أو فقدان تام لأحد الأعصاب الرئيسية، أو .....! أما الخيار الثاني، فيعني أن أي شيء يحدث أثناء العملية سيعرفه الجراحون، لأنني مُستيقظ، أتحدث معهم، ويراقبون الوعي والانتباه والحركة لحظة بلحظة..!

الليلة الماضية كانت هادئة.. مازلت مُتعباً من الجراحة الأولى.. جراحة تمهيدية للجراحة الرئيسية.. أجراها طبيب الأشعة التدخلية الدكتور فاروق حسن، لحقن الورم، وإغلاق بعض الأوردة والأوعية الدموية في الرقبة.. والآن سأدخل غرفة العمليات للمرة الثانية خلال 48 ساعة..!

في تمام الساعة العاشرة.. يمرق السرير المتحرك «التروللي» ببطء في الممر الطويل.. الأحباب يصطفون على الجانبين.. الخوف ينسج غيمة كثيفة على المكان، والدعاء يختلط بالدموع.. هنا أترك أبنائي امتداداً لي في الحياة، أقول لهم بنظرات دافئة: ذاهب أنا وقد أعود أو لا أعود.. لا تحزنوا إن كانت لحظة الرحيل، تركت لكم سيرة، إن لم تفخروا بها، قطعاً لن تخجلوا منها.. دفعت ثمناً باهظاً، كي أعيش مُحترماً، وأموت واقفاً.. ولأنهم أبنائي، فقد فهموا الرسالة جيداً..!

تدريجياً بدأت الأشياء تتغير من حولي.. الممر يتمدد مثلي مستسلماً للحظة الفارقة.. اختفت الوجوه وتلاشت التفاصيل، لا أحد في المكان الآن غيري والممر.. على جدرانه تراصت الصور وتتابعت المشاهد، التي تحكي مشوار عمري.. رأيت بداياتي في الصحافة.. شاب نحيل، يحفر بإصرار مكاناً متواضعاً في مهنة لا ترحم، لكنه اختار طريقاً صعباً من البداية؛ إذ انتمى لمهنته، ولم يأبه كثيراً لرضا الأنظمة.. وفي ذلك مشي على الأشواك، ومغامرة غير محسوبة..!

رأيت نجاحاتي وإخفاقاتي.. قفزاتي وعثراتي.. معاركي التي اخترتها، أو تلك التي فُرضت عليّ.. كلها خلفت ندوباً وجراحاً غائرة، ولكنها صلبت الظهر، وشدت العود، ورسمت طريقاً قدرياً، لا عودة منه، ولا تنازل عنه..!

رأيت على جدران الممر من أحبني، ومن كرهني.. من صفق لي، ومن حاول إسقاطي.. من شجعني، ومن حقد عليّ.. من صان العشرة، ومن خان العيش والملح.. من حفظ الجميل، ومن طعن في الظهر وهو «يحضنني» بابتسامة صاحب وحبيب..!

أغمضت عيني متعمداً.. قلت لنفسي: لم يعد لمشوار العمر سوى صفحة قد تكون الأخيرة.. لن يمر هذا أو ذاك معك من الباب الذي فتحوه للتوّ.. داخل غرفة العمليات سيقولون لك: صباح الخير، حضرتك صاحي معانا؟! ثم يفتحون رقبتك.. سترد حتماً: صباح النور، ثم....، ثم ماذا؟!!.. ما هذا الجنون؟!!.. هل ستتابع صوتاً وصورة- على الهواء مباشرة- العبث في شرايين حياتك؟!.. في دمائك وهي تسيل على صدرك؟!.. في أفكارك التي لربما تتساقط من عقلك؟!.. في أسرارك وهي تتسلل من خزائن عمرك؟!.. ماذا ستفعل في «صحيانك المُرعب».. وإن جاءك الموت، هل سترجوه الانتظار لحظة واحدة، حتى تُغمض عينيك، مُستسلماً للرحيل الهادئ؟!!

ولماذا الاستسلام؟! أليس في التسليم ارتقاء إلى من بيده الروح والنفس والجسد؟!.. أين وقفتك مع الذات؟!.. هل سألت نفسك عن مغزى ما يحدث، ومعنى هذا الابتلاء؟!.. هل هو ابتلاء عقاب أم تكفير عن الذنوب؟!.. أم أنه نداء من الله «أن تعال ياعبدي، أكثر.. اقترب، واستغفر، واطلب العفو واللطف كي تنجو..»؟! .. نظرت صوب السماء، وقلت «يارب.. رضيت وسَلّمتْ وخضعت»..!

فتحوا باب غرفة العمليات.. فأشرقت طاقة نور في عيني، وكأن يدًا قوية تنزعني من العالم الخارجي، وتضعني برفق بالداخل، وصوتًا يهمس في أعماقي: هنا.. سوف تغسل روحك، وتطهر نفسك.. هنا سترى الله في لطفه، ورحمته، و(طبطبته).. هنا ستولد من جديد..!

.. وللابتلاء.. بقية..!​

إعلان

إعلان

إعلان