إعلان

هموم الصارخين في البرية المصرية ..!

د. أحمد عمر

هموم الصارخين في البرية المصرية ..!

د. أحمد عبدالعال عمر
07:02 م الأحد 27 مارس 2022

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع


"مصر الحبيبة أعلم أنك تبكين في صمت وهدوء، وأنت تتحاملين على نفسك لتقفي صامدة بكبرياء قوية، دون خنوع، فأنت دائما القاهرة، ولن تكوني سوى القائدة. وأعلم أنك تتلفتين حول أرضك فلا تجدين سوى العداوة والحقد، وهي عداوة مردها الحقيقي الشعور بالضعة.

ولكنك تعلمين أيضًا أن قصتك هي قصة البطولة، وأن تاريخك لن يكون سوى نموذج التضحية، تقدمينه دون ضجة أو ضوضاء.

وهذا لم يمنعك من أن تتوقفي من آن لآخر لتنظفي منزلك مما علق به من أوحال، وهذا هو سر قوتك وسر بقائك، رافضة الفناء، مؤكدة العظمة والخلود.

نعم علينا أن نستعيد حقيقة ما حدث، وما يحدث حولنا، وعلى الحاكم أن يخرج عن صمته ليؤدي واجبه إن أراد أن يخلي مسؤوليته أمام الله ثم الأجيال القادمة وأن يعلن أمام الضمير القومى أنه واع بحقيقة واجبه".

هذه الكلمات الصادقة، وما تكشف عنه من هموم وطنية وحقائق تاريخية، كتبها الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، والمفكر السياسي المصري البارز الراحل الدكتور حامد ربيع في مقال له بعنوان "الأمن المطلوب فى سياسة جمع المعلومات" نُشر فى 14/3/ 1983، بالعدد رقم (739) لمجلة الأهرام الاقتصادي.


وتُذكرنا تلك الكلمات والتحذيرت بكلمات الحكيم المصري القديم "إيبور" الذي عاش في فترة الانهيار السياسي والاجتماعي والأخلاقي التي أعقبت سقوط الدولة المصرية القديمة، وقد صور لنا في نص موجود ببردية محفوظة الآن بمتحف ليدن بهولندا، تٌعرف بعنوان "تحذيرات الحكيم إيبور" مظاهر التردي والانهيار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في عصره.

كما وضع بعض الوصايا التي تُمهد للإصلاح، وعلى رأسها وجود حاكم عادل ذي بأس، تكون وظيفته أن "يُطفئ لهيب الحريق الاجتماعي، ويُقال عنه إنه راعي كل الناس".

ولكن كلمات وتحذيرات الدكتور حامد ربيع رغم أهميتها في زمنها، وحتى يومنا هذا، قد ذهبت مع الريح، دون أن تجد آذاناً صاغية من أهل الحكم والسياسة في زمن الرئيس الأسبق مبارك، ولهذا صار مصيره بموقفه وقوله ونبوءاته مثل كل الصارخين الصادقين في البرية المصرية، والراحلين دون أن يجدوا آذانًا صاغية من أهل الحكم، وعلى رأسهم الراحل الدكتور جمال حمدان، ومثله أيضًا دفع حياته ثمناً لأفكاره وتحذيراته، لأنه رحل عن دنيانا مثله في ظروف غامضة عام 1989.

والمؤلم أن الدكتور حامد ربيع أصبح اليوم مجهولاً لدى الكثير من المصريين، رغم أنه كان يستحق أن يكون أحد الآباء المؤسسين العظام في تاريخ هذا الوطن، وأن يُحفر اسمه بحروف من نور في ذاكرتنا الوطنية، بواصفه وأحد من أهم باعثي الروح الوطنية المصرية في العصر الحديث.

وهذا يُحتم علينا اليوم ضرورة التعريف به، واستعادة وجوده، وإحياء فكره.

ولد الدكتور حامد ربيع في منتصف عشرينات القرن الماضي، وهو صاحب تجربة إنسانية وعلمية ومهنية شديدة الثراء والخصوصية؛ فقد درس في أعرق الجامعات الغربية، وحصل فيها على خمس درجات دكتوراه توزّعت بين علوم الاجتماع التاريخي والقانون وفلسفة القانون والعلوم السياسية.

كما أنه كتب أكثر من 45 كتابًا و350 دراسة علمية منشورة باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية واللاتينية، إضافةً إلى آلاف المقالات في الصحف والدوريات العلمية العربية والأجنبية.

عمل حامد ربيع في بداية حياته المهنية بالنيابة العامة، ثم مدرسًا بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ومساعِدًا للمستشار الشخصي العلمي للرئيس الأسبق جمال عبد الناصر.

كما قام بتأسيس "مركز الدراسات الإنمائية" بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة، وأشرف على إنشاء "المعهد الدبلوماسي" التابع لوزارة الخارجية المصرية.

ثم انتقل بعد ذلك للعمل لثماني سنوات في معهد البحوث والدراسات العربية في بغداد، وهناك عمل أيضًا مستشارًا سياسيًا شخصيًا للرئيس العراقي الراحل صدام حسين.

توفي الدكتور حامد ربيع فجأة عام 1989، وقد تردد الكثير من التكهنات حول تلك الوفاة المفاجأة، حتى قيل إنها كانت في حقيقتها اغتيالًا، ولم تكن وفاة طبيعية.

أبرز تلك التكهنات حول من يقف خلف هذ الاغتيال، وجّه من خلالها البعض أصابع الاتهام للموساد الإسرائيلي لرغبته في التخلص من حامد ربيع بسبب المقالات الكاشفة المثيرة التي كان يُوالي نشرها في جريدة الوفد عن الاستراتيجية الإسرائيلية.

كما وجه البعض الآخر أصابع الاتهام إلى نظام الرئيس العراقي صدام حسين، وأنه قام باغتيال حامد ربيع خشية أن يكشف شيئًا مما لديه من معلومات اطّلع عليها إبّان عمله مستشارًا سياسيًا للرئيس العراقي صدام حسين.

خاصة أنه اصطدم به في مواجهة عاصفة، وواجهة بالنتائج الكارثية لحربه مع إيران، مما اضطره بعدها للهروب مُتخفيًا من العراق عام 1987، للنجاة بنفسه من غضب صدام حسين

في النهاية، رحم الله الدكتور حامد ربيع، الذي لا نزال في مصر في أشد الحاجة لإحياء واستلهام النموذج الذي يُمثله والرمز الذي يُقدمه، وإلى استخلاص النتائج العلمية الموثوقة من المعطيات النظرية التي قدمها، خاصة أن أفكاره ورؤاه وتحذيراته حول التهديدات والمخاطر التي تُواجهنا في السياق الداخلي والإقليمي والأفريقي والدولي، لا تزال تتردد بقوة اليوم، وتبحث عن آذان صاغية، لكي تستطيع مصر مواجهتها، واستعادة دورها ومكانتها وريادتها.

محتوي مدفوع

إعلان

إعلان

El Market