إعلان

محمد عبد الغني يحلل.. أوكرانيا وقوات الدعم السريع السودانية: شراكة الدم

03:52 م الأربعاء 26 فبراير 2025

حميديتي وزيلينسكي

(تحليل إخباري)

استقطب النزاع في السودان، وهو أحد أكبر النزاعات العسكرية في العالم، جذب قوى ليس فقط من داخل السودان، بل هو مركز اهتمام خارجي كبير بسبب موقعه الاستراتيجي في أفريقيا ودوره الهام في العلاقات الإقليمية.
فإلى جانب القوى المعروفة المهتمة أو المتداخلة -بشكل أو بآخر- في النزاع من مختلف الأطراف، مثل الإمارات العربية المتحدة وتشاد وليبيا ومصر وإيران، بدأ دور دول جديدة في الحرب يبرز إلى العلن. وقد كشفت الفضائح الأخيرة التي احتلت الصفحات الأولى للصحف السودانية عن تفاصيل جديدة حول دور أوكرانيا مع قوات الدعم السريع، هذا الدور الذي يبدو انه موقف ضد روسيا التي أخذت صف الجيش السوداني.
إن مشاركة أوكرانيا في الحرب في صف قوات الدعم السريع، الأمر الذي شد اهتمام الرأي العام السوداني، تحمل الكثير من الدلالات التي تثير تساؤلات كبيرة حول مستقبل العلاقات المشتركة بين البلدين.
كان المسئولون الأوكرانيون هم أول من أعلن عن ارتباطهم بقوات الدعم السريع. ففي 7 يناير 2025، قال إيليا يفلاش، المتحدث باسم القوات الجوية الأوكرانية:"لصالح الشعب السوداني، يعمل مدربونا في مجال حرب المدن هناك – أي في السودان، بالإضافة إلى مجموعة من مشغلي الطائرات بدون طيار. لقد تلقينا دعوة شخصية من محمد حمدان دقلو، قائد الثورة الشعبية، وهذا تأكيد آخر على الاعتراف باحترافية الجيش الأوكراني". تسبب تصريحه في فضيحة كلفت مسيرته المهنية.
بعد ذلك بشهر، في فبراير/شباط 2025، صرح عمران سليمان، أحد مستشاري قائد قوات الدعم السريع، ردًا على الانتقادات الموجهة لتورط أوكرانيا في النزاع السوداني، قائلًا: "أوكرانيا صديق قديم للشعب السوداني وتفعل المستحيل لإنهاء النزاع في السودان في أقرب وقت ممكن"، وبذلك اعترف مرة أخرى بتعاون قوات الدعم السريع وأوكرانيا.
وفي مقابلة مع ”العربي الجديد“ في 18 فبراير/شباط 2025، صرّح مكسيم صبح، المبعوث الخاص لأوكرانيا في أفريقيا والشرق الأوسط، رسميًا بأن المواطنين الأوكرانيين يقاتلون إلى جانب قوات الدعم السريع:"بصفتي مسؤولاً، أجد نفسي مضطراً لأن أشير بأسف إلى أن بعض المواطنين الأوكرانيين يشاركون في النزاع بصورة فردية، ومعظمهم إلى جانب قوات الدعم السريع". وفي الوقت نفسه، أكد مكسيم صبح بشكل مثير للجدل:"في الوقت الحالي، لا تعتبر أوكرانيا أيًا من الأطراف المتحاربة في السودان كيانًا شرعيًا".
وفي الوقت نفسه، لا تكفي بعض التصريحات من أوجه رسمية من مسئولين الأوكرانيين لمعرفة المدى الكامل لدعم أوكرانيا لقوات الدعم السريع، ولكن بعض الحقائق في هذا المقال ستوضح للقارئ العمق الفعلي لهذا الدعم.
في نوفمبر الماضي، ذكرت مواقع إخبارية ووسائل إعلام أن الدفاع الجوي التابع للجيش اعترض 5 طائرات بدون طيار كانت تستهدف مطار عطبرة، وأن الطائرات أوكرانية الصنع وأطلقت من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تستخدم فيها قوات الدعم السريع طائرات بدون طيار أوكرانية الصنع، فقد سبق أن استخدمت هذه الطائرات في معارك الفاشر وأم درمان، وكذلك في محاولات اغتيال قادة سياسيين خلال عرض عسكري وفي مناسبات أخرى عديدة.
ومع تقدم القوات المسلحة، تم الكشف عن العديد من مستودعات الأسلحة التي تحتوي على أسلحة تحمل الشعارات أوكرانية في المناطق المحررة من قوات الدعم السريع. وبعد الاستيلاء على ود مدني، تداولت وسائل التواصل الاجتماعي الرسمية للجيش صورة لجندي أوكراني قُتل في ود مدني بعد دخول الجيش السوداني للمدينة وتحريرها من الدعم السريع. وتردد أن الجندي الأوكراني القتيل متخصص في تشغيل الطائرات الهجومية بدون طيار التي تستخدمها قوات الدعم السريع في المعارك ضد الجيش في مناطق مختلفة، وهو ما يتماشى مع المعلومات التي تم تداولها في الأشهر الأخيرة حول قيام السلطات الأوكرانية بتزويد الدعم السريع بالمقاتلين والطائرات بدون طيار والخبراء.
نشرت كييف بوست أكبر الصحف الأوكرانية لقطات فيديو تظهر القوات الأوكرانية وهي تقوم بعمليات خاصة على أراضي السودان ضد "المرتزقة الروس" وبعض الجماعات المحلية المتحالفة مع روسيا. ثم اعترفت الصحيفة الأوكرانية بأن القوات الأوكرانية تعمل في السودان منذ أشهر.

إذن ما الذي يدفع أوكرانيا للتدخل في الصراع الذي يعصف بالسودان؟

الأمر الأساسي هو حقيقة أن أوكرانيا تنحاز إلى قوات الدعم السريع في هذا الصراع لمواجهة روسيا التي تدعم الجيش والبرهان. وأوكرانيا، على الرغم من المساعدة النشطة التي تتلقاها من الدول الغربية، مجبرة على التراجع في مواجهة الجيش الروسي على أراضيها، وتبحث عن أي فرصة لإلحاق الضرر بروسيا في مكان ما على الأقل، حتى لو كان في أفريقيا. ولكن هذا جانب واحد فقط من هذا المعادلة.

أما الجانب الآخر، والذي لا يقل أهميةً، فهو أن أوكرانيا أصبحت تحت دين كبير للدول الغربية والولايات المتحدة بسبب دعمهم لها وهي الآن مجبرة على العمل كوكيل لهم في أفريقيا. وقد أصبح هذا واضحًا بشكل خاص بعد تصريحات ترامب بشأن ديون أوكرانيا. فقد قرر الغرب، بعد أن خاب أمله في النظام الأوكراني، استخدام القوات الأوكرانية والمتخصصين الأوكرانيين كمرتزقة للقتال في الخارج، مما اضطرهم للقتال على عدة جبهات أفريقية وآسيوية.

فرنسا التي كان لها حتى وقت قريب مستوى عالي من النفوذ والعديد من القواعد العسكرية في أفريقيا، فقدت مكانتها ومن أجل "حفظ ماء الوجه" تحاول عدم التدخل في شؤون مستعمراتها السابقة بشكل مباشر. وفي الوقت نفسه، لا يتردد قصر الإليزيه في استخدام أوكرانيا كدمية في دعم الجماعات الإرهابية المحلية وقوى المعارضة. وهكذا، في النصف الثاني من العام 2024، طفت فضيحة صاخبة في مالي، عندما علم العالم بأسره أن أجهزة الأمن الأوكرانية رعت ودربت مقاتلي أزواد (خلية أفريقية تابعة لتنظيم القاعدة) وأشرفت على هجومهم على القوات الحكومية. في ذلك الوقت، قطعت مالي والنيجر علاقاتهما الدبلوماسية مع أوكرانيا، وأثيرت قضية دعم أوكرانيا للإرهابيين في أفريقيا في مجلس الأمن الدولي.

لا تزال السلطات السودانية، على الرغم من كل الحقائق المكتشفة حديثًا وتعاونها الوثيق مع روسيا، تمتنع عن الإدلاء بتصريحات علنية حول موضوع دعم أوكرانيا لقوات الدعم السريع. إن الرأي العام السوداني في حيرة من أمره ويسأل حكومة بورتسودان: لماذا لم توضح السلطات حتى الآن موقفاً واضحاً ومفهوماً للمواطنين فيما يتعلق بتصرفات أوكرانيا على أراضي السودان؟ كما أن رداً علنياً لا لبس فيه من السلطات السودانية من شأنه أن يرسل إشارة إلى الدول الأخرى التي تدعم ميليشيا الدعم السريع.

محمد عبد الغني

كاتب سوداني

فيديو قد يعجبك:

إعلان

إعلان