إعلان

"التيك توك".. وكيف تنظر أمريكا لقوة وتأثيرات منصات التواصل؟

د.هشام عطية عبد المقصود

"التيك توك".. وكيف تنظر أمريكا لقوة وتأثيرات منصات التواصل؟

د. هشام عطية عبد المقصود
09:27 م الجمعة 16 يونيو 2023

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع


تحولات متنوعة حدثت لسيكولوجية البشر في الكون منذ أن عرفوا واستغرقوا ثم استوطنوا ساحات ومنصات الإنترنت وعوالمه المتجددة، حتى صارت ما كان لها من اسم شائع "فضاءات الإنترنت" لتكون واقعيا عبر سنوات قلائل مجالا للحياة وحوادثها وشواغلها الهام منها والهامشي وما بينهما من أشياء واهتمامات البشر، تلك التي تتجدد مع اتساع مجالات الحياة وتحديثاتها على محيط كوكب الإنترنت وساحته الأرضية الجديدة التي تضاف مساحة ربما تكون أكبر في عُرف تداول المعارف كما ونوعا من فضاء الكرة الأرضية بتعريفها الأثير التقليدى بأنها "أكبر الكواكب في مجموعتنا الشمسية وتبعد عن الشمس بنحو 150 مليون كيلو متر مربع وتمتاز بوفرة الماء والأكسجين"، هنا على تلك الأرض الجديدة لا حاجة لماء أو هواء، بينما يكفي ضوء منبعث من الهواتف وشاشات التابلت باعثا للحياة على كوكبها وداعيا للحضور والنقاش يجمع كل سكان الأرض وقتما شاءت لهم ظروفهم .. فهل شهدت الحياة شيئا من ذلك قبلا ؟!
وربما يكشف نمط استخدام البشر في العالم لمحركات البحث في مجال سعيهم تنقيبا عن تفضيلات واهتمامات في مختلف الأقطار واتساع المحيطات عن حقائق مدهشة، وكم تكون كاشفة تلك التقارير النوعية في هذا الصدد تعبيرا عن سلوك البشر الذي يعرفه ويحفظه جوجل وأخواته من محركات البحث في خبيئتهم المعلوماتية الضخمة، والتي تقطن هناك ككنز دفين لدى صناع وملاك ودول المقر لتلك المنصات والتطبيقات، وقد يمنح ذلك شيئا مهما دالا أيضا في مجال حروب المعلومات بين الدول، لنعرف كم صارت مع الزمن ومع تلك التطبيقات كل سلاسل أفلام جيمس بوند وقريناتها ماضيا دراميا قد ولى، والتي احتشدت بها الشاشات فى فترات الحرب الباردة وقت رواج وتدشين التعبيرات المعبأة بأيديولوجيا التاريخ ونقوشها الذهنية التي استولت على العقول كأنها دوام وأبدية.
منحت محركات البحث وأيضا بيئة منصات التواصل وتطبيقاتها مخزونا معلوماتيا متاحا للشركات والدول صانعة ومسوقة ومقرات تلك المنصات لتؤكد هيمنتها وسيطرتها معرفيا وقدرتها على إدارة الكون معلوماتيا، وما حدث فى العالم من شلل معرفي واحباط بشرى من تأثير توقف منصات التواصل وخدمات التشات والإنترنت يوما واحدا فى أوائل شهر أكتوبر من العام 2021 ما هو إلا تجربة وثقت تأثير ومجال حضور واعتماد وحاجة بشر الكون لمنصات التواصل بشكل لا غنى عنه، وقدمت دليلا عن ذلك الاعتماد المهول عليها والالتصاق بها كأنها طعام وهواء وماء كرة الأرض الجديدة.
وهكذا يمكن فهم ما يواجهه تطبيق "التيك توك" صيني المنشأ من تحفظ وتقييد بل ومنع لكونه يمثل قطبا جديدا بازغا ومنافسا "شرقيا" في مجال منازعة احتكار مصدر وحيد ومقر وحيد لتلك المعلومات الكونية المفضلة لجموع سكان البشرية، وسبب ذلك أن التيك توك على عكس بعض التطبيقات المحلية الأخرى صعد وانتشر وأخذ واجهة عالمية، وخاصة أن معدل نموه عالميا وغربيا يتسع بشكل كبير ومن ثم يمثل منافسا فى مجال جمع معلومات من دول احتكرته تنوعا وشمولا وحصرا، ولهذا انتقلت مواضع رفض ومنع التطبيق غربا من دولة لأخرى حتى صدرت مراسيم تمنع بشكل قاطع وجود التطبيق على هواتف موظفى المؤسسات الحكومية في العديد من دول الغرب.
ووفق بيانات كل من "Statistica" و "Social Sheperd" تم تحميل تطبيق تيك توك بمعدل ثلاثة مليارات ونصف المليار مرة وأنه يشهد نموا بمعدل 180% لدى المرحلة العمرية من 15 وحتى 25 عاما، وأنه المصنف أولا عالميا فى مجال الترفيه، وذكر " BusinessofApps" أن منصة تيك توك حققت عائدات تقدر بنحو 9,4 مليار دولار في عام 2022 وأنه لدى التيك توك 1,4 مليار مستخدم نشط شهريا عام 2022 يرجح أن تصل إلى 1,8 مليار بنهاية العام الحالى 2023.
ويذكر تقرير مركز "Pew Research" فى دراسة له فى أغسطس 2022 أنه قد أثبتت منصة التيك توك نفسها كواحدة من أعلى المنصات استخداما عبر الإنترنت للمراهقين في الولايات المتحدة بينما في الوقت ذاته انخفضت نسبة المراهقين الذين يستخدمون منصة الفيس بوك بشكل كبير، وهنا الأمر لا يقف عند حدود دور المنصة الترفيهي بل تذكر دراسة أخرى أجراها نفس المركز فى أكتوبر 2022 أن نسبة تتزايد من البالغين في الولايات المتحدة تتلقى بانتظام أخبارًا من على منصة التيك توك، وأنه خلال عامين فقط تضاعفت نسبة البالغين في الولايات المتحدة الذين يتلقون الأخبار بانتظام من تيك توك من 3٪ إلى 10٪ في عام 2022، وبينما تتسع أرضيته وشعبيته لدى الشباب والمراهقين عامة تتزايد أيضا نسبة استخدامه لدى عموم السكان وخاصة فى دولة المقر الأكبر للتطبيقات والمنصات وتمنح تقارير نوعية فى مارس من العام الحالى أن تطبيق تيك توك على الهاتف يستخدمه ما يقرب من ثلث سكان الولايات المتحدة الأمريكية، والأمر لا يقف عند حدود الغرب بل إن الهند الدولة الجارة للصين والتى صارت تفوقها تعدادا سكانيا عبرت عن "انشغالها" السياسى الذى عبر عن نفسه تاريخيا في خلافات حدودية وتنازعات عبرت عن تقييمها وادراكه لحظر طبيق تيك توك فى عموم الهند.
ربما يكون كل ذلك دالا على متغيرات وتحولات صناعة الميديا والاتصال "الجديدة" في عصر المنصات الرقمية وحدود تأثيراتها وأفق عملها، وهو ما يستوجب النظر له كفرص وتحديات معا وبالتزامن، على أن يؤسس لذلك قراءات علمية تملأ فراغ التوقعات وتصنع تحديثا لتحديد استراتيجيات التعامل، ثم لتبني إطارا مؤسسيا داعما لعملية وتصورات الدخول الفاعل كشريك استراتيجي في هذه الصناعة الاستراتيجية، مع العمل على بناء آليات توعية وترشيد مجتمعي لدى الأجيال الناشئة التي هي الحاضر الأكثر كثافة والأعلى استخداما والأكثر عرضة لتدفقات الصور والتخييلات التي يتم بثها ضمنا أو عمدا فيما يتابعون ويتفاعلون على المنصات.

إعلان