•  الفسيخة المفخخة

    محمد حسن الألفي

    الفسيخة المفخخة

    محمد حسن الألفي
    09:00 م الثلاثاء 30 أبريل 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    حيث إن الدنيا ربيع والجو بديع، والشوارع خالية، والقاهرة باهرة، حتى مساء أمس الاثنين، فإن الفرصة سانحة لشيء من الفكاهة، نتبادلها عبر الفضاء الإلكتروني الفسيح، مع مصراوي الأصيل، والحق أن المصريين ضحكوا كما لم يضحكوا من قبل خلال يوم شم النسيم، وفرحوا فرحا صافيا، لأن نسبة الخسائر الناجمة عن التهام أطنان من الفسيخ لا تذكر تقريبًا .

    بالطبع سبقت شم النسيم موجات من السخرية حطت من كرامة الفسيخ الذي ارتفعت أسعاره، وصار له سعر وهو بعد المعفن !

    السمك البوري بأربعين جنيها، وبعد التعفين يباع بـ١٩٠ جنيها. بعض البشر لهم نفس المكانة والعفونة والسعر... هكذا كتب الناس، ورد آخرون بأن المعفن- وإن ارتقى سعرا- فأمر مؤقت، يستمر فقط للفترة قبيل الشراء، وينتهى عند تفسيخه وإخلائه من لحومه !

    والحق ايضا أننا نكاد نكون الشعب الوحيد في العالم الذي يقترب من تجربة الموت المحتمل المرجح بنفس ضاحكة، فنحن تعاملنا مع القنابل المفخخة، كما نتعامل مع عرض مسرحي أقيم على خشبة بلدي في قلب الشارع أو الحارة.

    وكلنا نذكر تلك اللقطة الفريدة لصفوف من المقاعد جلس عليها المصريون يتابعون في قلق وتوجس وشغف ضابط الدفاع المدني يفكك قنبلة... ومن حين لآخر ترتفع الدعوات أو التحذيرات أو الإضافات العلمية الواجبة.. بينما يمر عليهم قهوجي على الرصيف بأكواب الشاي... وآخر بساندويتشات الفول !

    لو انفجرت القنبلة في الضابط لانفجرت فيهم أيضا ولنالت من الصف الأول على الأقل، وكان بالفعل يقترب بمقاعده مترا بعد متر حتى دنا من محيط الانفجار المحتمل، لكن الله سلم، ونجح الضابط الشجاع في فك شفرة الموت، واندفع المتفرجون في تصفيق متصل، ومنهم من احتضنه، ودعاه الى مشاطرته سندوتش الفول!

    مشهد كهذا دار تقريبا، على نحو مختلف، في معظم البيوت المصرية أمس. في كل أسرة عاشق للفسيخ، خصوصا من الكبار، الأب والأم والأخوال والأعمام وغيرهم وغيرهن، لكن الجيل الجديد يقرف أشد القرف من رائحة السمك المفسخ، ويعيبون أن أهاليهم يأكلون السموم والعفن .

    مع ذلك، ووسط تبادل الاستنكاف والنكات، ومع انتشار الرائحة القاتلة، تجد أحدهم عازفا مترددا... فالفسيخة مشبوحة مفتوحة... معصور عليها شرائح الليمون ومبشور فوقها البصل الأخضر، ومروية بزيت الزيتون، ومنقوعة في الطحينة، لكن الخوف من التسمم يمنع أحدهم، فيمازحهم :

    - دعوني آكل لاحقا... لأنى ربما أكون الوحيد الذي سيحملكم إلى مركز السموم !

    يسخرون منه، ويستشعر الحرج من الفسيخة التي استسلمت، ويسيل ريقه وأصابع أهله تغوص في اللحم المهري، وتقرش القضمة مع رأس البصلة الخضراء، ولسعة في الحلق حلوة، تستدعي لقماتٍ متتالية، وينحسر الرغيف في آخره، بعد أن تم تمزيقه في أربع بلعات !

    معظمنا يعرف أن الفسيخ فيه سميات، وينطوي على خطر الموت، وتكاد وزارة الصحة ويكاد أصدقاؤنا الأطباء يوصون برسم علامة الجمجمة الموحية بخطر الموت، كما نراها علي أكشاك الفولت العالي، ومع ذلك فنحن قوم لا نهاب المفخخة ولا السمك المفخخ؛ نتعامل مع الموت بوصفة الموعد المكتوب... لا نستقدمه، ولا نستأخره، ومن يملك ذلك، فهو الله العلى الآمر كاتب الآجال ومقدرها.

    لا بأس، إذن، من فسيخة مفخخة أو قنبلة متعفنة، أو العكس كما ترون، فكلتاهما ناسفة، وكلتاهما قاتلة، لكننا لا نموت، بل نضحك، وندفع مالا كثيرا لنستمتع بشم النسيم... رغم أنه لا يوجد نسيم قط .

    وكم ذا من المضحكات في مصر ... سنضحك رغم كل شيء ونعيش رغم الآلام.

    رمضان بعد القادم سيشهد شم النسيم.... ترى كيف سيتعامل المصريون مع وجبة الفسيخ في شهر الصيام؟ هل سيقع كساد، أم سيواصلون التحدي والتلمظ؟!

    إعلان

    إعلان

    إعلان