محمد المخزنجي في عزلته

محمود الورداني

محمد المخزنجي في عزلته

محمود الورداني
09:01 م الخميس 10 يناير 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

اعتدنا - صديقي محمد المخزنجي وأنا- أن نتهاتف بين الحين والآخر بغرض الاطمئنان، والأهم أن نتفق على أن نلتقي لقاءات منفردة، دائما ما سبب لي بهجة وسعادة لا توصف، وتستمر البهجة والسعادة لوقت طويل، فالمخزنجي هو البهجة ذاتها بسلامه النفسي الذي ينقله لك بمهارة وبلا مجهود . المخزنجي ليس بشوشا ومشرقا فقط، بل هو أيضا لا يخفي شيئا ومشاعره مرسومة بوضوح على صفحة وجهه.

وقبل أيام قليلة نجحنا في تدبير لقاء مؤجل من شهور، وأمضينا معا على أحد المقاهي نحو ثلاث ساعات خاطفة، لكنها كانت كافية لتحقيق تلك البهجة والسعادة التي تحدثت عنها لتوي. المخزنجي وأنا ربطت بيننا صداقة عميقة منذ أربعين عامًا تقريبا، ولم يحدث خلالها خدش واحد، ولم " تلمسها ذرة من غبار" على حد تعبيره في أحد إهداءات آخر كتاب قرأته له وهو "بيانو فاطمة والبحث عن حيوان رمزي جديد للبلاد" الذي أصدرته دار الشروق.

التهمت الكتاب على الفور، وقبل أن أكتب بعض ما شعرت به نحوه، أود أن أتحدث قليلا عما يفعله في عزلته الاختيارية. لا أتذكر تحديدًا كيف عرفته. على الأرجح التقينا في مكتب الراحل عبدالفتاح الجمل في جريدة المساء، أحد أهم من أثروا فينا ووقفوا بجانبنا وتركوا لنا إرثًا من المحبة واحترام الذات.. وخرجت من معطفه أجيال من الكتاب والفنانين منذ جيل الستينيات من القرن الماضي، وحتى تقاعد الرجل وسوّى معاشه في الثمانينيات عندما أدرك أن الخرق اتسع على الراقع، وجلس المخبرون على مقاعد المسؤولين عن الصحافة الإعلام في بلادنا .

لقى المخزنجي، -الذي ارتبط بالحركة الطلابية منذ وقت مبكر في سبعينيات القرن الماضي، وعرف طريقه إلى سجون السادات-، اهتماما خاصا من الجمل، وبادر بنشر أولى مجموعاته القصصية الفاتنة" الآتي"، ثم غادرنا بعد أن تخرج في كلية الطب بالمنصورة -بلده- إلى أوكرانيا الاتحاد السوفييتي السابق ليتخصص في الطب النفسي. وعندما عاد تنقل في عدد من مستشفيات الطب النفسي حيث عمل وأحب المرضى وأنِسَ بهم، وعرف طريقه إلى قلوبهم. وعمل أيضا لبعض الوقت طبيبا بالحجر الصحي في عدد من الموانئ. لم تنقطع لقاءاتنا خلال كل تلك السنوات، بل وأمضينا معا عدة شهور عام 1982 في سجن المرج عقب اغتيال السادات، وفي إحدى الغارات التي كانت تقوم بها أجهزة الأمن، وتستضيف خلالها من يروق لها من الكتاب والفنانين والسياسيين المعارضين.. ثم سافر إلى الكويت حيث أمضى سنوات محررا علميا لمجلة العربي، وتجول في عدد كبير من مدن العالم شرقا وغربا يجري استطلاعات بقيت طويلا في ذاكرة الصحافة الثقافية.

تجربة المخزنجي إذًا تجربة واسعة وثرية ومتنوعة أهدى خلالها لقرائه ثماني مجموعات قصصية نادرة ومحفورة في المتن الكتابي العربي، إلى جانب كتاب في أدب الرحلات ضم الاستطلاعات السالف الإشارة لها، وكتاب عن الطب التكميلي، وكتابان للناشئة عن الأدب البيئي، وكتاب عن كارثة تشرنوبل التي عاصرها، وكتابه الأخير "السعادة في مكان آخر" عن أحد أبطال زماننا الدكتور محمد غنيم.

وهكذا فإن المخزنجي اختار عزلته لينجز كل هذا الإنجاز المدهش المتنوع، وعندما عرُضت عليه وزارة الثقافة بادر على الفور وبلا تردد بالاعتذار عنها. لن تجد للمخزنجي صفحة على الـ(فيسبوك) مثلا، ولن تجده يتردد على الندوات واللقاءات، ويعتذر دائما عن السفر لحضور المؤتمرات مثلا، ومن النادر أن يوافق على إجراء حوار صحفي أو تليفزيوني .

اعتذاره الدائم عن كل دعوات التواجد والظهور، أظن بحكم معرفتي التي أزعم أنها دقيقة به مبعثها الأساسي خجله.. نعم خجله، فهو سرعان ما يحمرّ وجهه ويرتبك إذا أطريته أو دفعت به للضوء. يختار التواري والعزلة اختيارا بحكم تركيبته الشخصية..

على أي حال، تجاوزت المساحة المخصصة لي، وأعتذر عن الحديث عن كتابه الأخير وسوف أعود إليه في وقت لاحق.

 

إعلان

إعلان

إعلان