مطلوب معلم ولدينا

مطلوب معلم ولدينا

أمينة خيري
09:00 م الإثنين 10 سبتمبر 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

تخبرني "هيام" عاملة النظافة باليومية أن ابنيها التوأم في الثانوية العامة "مش ناويين يجيبوها البر" في هذه السنة حالكة الصعوبة. الولدان يذهبان إلى درس خصوصي واحد، ويتحججان بالتعب أو الملل أو الانشغال لتجنب الذهاب إلى بقية الدروس، والعام الدراسي لم يبدأ بعد! تشجب تعليقي العجيب وتقول: دروس الثانوية بدأت من شهر أغسطس، وهناك من بدأ في يونيو!

أمضي قدمًا في أسئلتي الساذجة وأسألها:

ولماذا تهدر دخلها البسيط على الدروس الخصوصية مبكرًا؟

لماذا لا تكتفي بشرح المدرسة حتى منتصف العام مثلاً؟

تبدو أمارات المرارة المفقوعة على وجه "هيام" وتقول بغيظ شديد:

"مدارس إيه يامدام؟! العيال ما بتروحش المدرسة لأنها مضيعة للوقت. المدرسون لا يجيئون، وإن جاءوا لا يشرحون، وإن شرحوا فأقل القليل وكأنهم يروجون لبضاعتهم في السنتر".

"السنتر" الملعون الذي حل محل المدرسة المهدورة المغدورة ليس نتاج الأمس أو أول أمس. وأتذكر وزير التربية والتعليم الراحل الدكتور حسين كامل بهاء الدين الذي ظل طيلة 13 عامًا يتحدث ويحاول مجابهة "آفة" الدروس الخصوصية.

لكن "الآفة" بدلاً من أن تتقلص أو تتقوقع أو ترتدع أخذت في التوغل والتغول حتى أصبحت "السناتر" (جمع سنتر بالمصري) سمة من سمات "التربية والتعليم" في مصر. أقول "التربية" لأنها بالفعل تربي دون أن تدري.

"هيام"- رغم الكم الهائل من المشقة التي تتكبدها من أجل توفير "فلوس السناتر" تحكي بسعادة بالغة عن "مستر الفيزياء" الذي وصل إلى السنتر بسيارة "إم بي دبليو" (بي إم دبليو) فارهة ويرتدي بدلة بيضاء "تحفة" وسلسلتين ذهب ظاهرتين تحت القميص. تقول ممتنة للـ"مستر": "العيال انبهرت حين رأته، وهو الحقيقة زودهم بنصائح مهمة. قال لهم" معليش السنة دي هتدفعوا شوية، ويمكن أهاليكم تتزنق حبتين، بس لو ركزتوا هتكونوا أحسن مني".

بالطبع العيال والمستر و"هيام" متفقون على تعريف "أحسن منه". فربما "لو ركزوا" سيقتنون سيارة فئة أعلى، أو يرتدون ثلاث سلاسل بدلاً من اثنتين ويقتنون بدلاً من البدلة البيضاء ثلاثا أو أربعا.

هذه هي نوعية التربية التي تنجم عن "السناتر" التي ضربت المدارس على مدى عقود في مقتل تعليمي وتربوي.

وبين ضيق ذات اليد وتدني الرواتب (حجة المعلمين والمعلمات)، وقلة الإمكانات وعدم توافر الكوادر والموارد (حجة القائمين على أمر المدارس)، وصعوبة مواجهة الـ"آفة" ومواجهة الفيروس الذي بات يدعمه المعلم والمدرسة والأهل والطلاب (حجة من بأيديهم المنع والعلاج)، تحول التعليم في مصر إلى هياكل اسمها مدارس ومنظومة تعليمية وتربوية موازية كاملة متكاملة اسمها "السناتر".

وبالطبع فإن السناتر أنواع وفئات وطبقات. ومازلت أذكر مشهد مجموعة من الفتيات والفتيان أمام أحد "السناتر" الشهيرة لطلاب الدبلومة الأمريكية وقد بدت علامات الإعياء على إحدى الفتيات. وفي تصرف كاشف، تعاون أصدقاؤها على دفعها في داخل سيارة أحدهم، وانطلقوا بها بعيدًا عن الأعين لأعرف فيما بعد أن المنطقة المحيطة بالسنتر مركز لبيع المخدرات للطلاب.

قلبي مع طلاب المدارس البالغ عددهم نحو 20 مليونًا الذين يستعدون هذه الأيام لبدء عام دراسي جديد يفترض أن يكون في 52 ألفا و664 مدرسة (بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء)، ومع أولياء أمورهم، وغالبيتهم المطلقة مجبرة على تمثيل دور ركيك في مسرحية فاشلة. الجميع يتظاهر بأن عامًا دراسيًا بدأ في المدراس، والجميع يشتري الكتب المدرسية، والبعض يضطر إلى شراء الزي المدرسي، لكن الجميع أيضًا يعرف أن التعليم "الحقيقي" الذي يؤهلهم لتفريغ المنهج على ورقة الامتحان في نهاية العام مصدره السنتر.

الغالبية المطلقة من المصريين على يقين بأن منظومة الدروس الخصوصية أقوى وأعتى من وزارتي التعليم والداخلية مجتمعتين. والغالبية المطلقة من الأهل لا حول لها ولا قوة ومجبرة على توفير الموارد اللازمة لتمويل جيوب المعلمين وسلاسلهم وسياراتهم.

وأزيدكم من الشعر بيتًا، فإن مواقع البيع والشراء على الإنترنت باتت تحوي قسمًا خاصًا بالدروس الخصوصية. "نقدم المعلم الأجنبي الخصوصي للأمريكان والبريتيش".. "افتتاح سنتر تعليمي جديد في إمبابة بنظام الكوميشين (العمولة)".. "مطلوب معلم إنجليزي ابتدائي وإعدادي وثانوي ولدينا".. والقائمة طويلة جدااا.

إعلان

إعلان

إعلان