"السترات الصفراء" ما لها وما علينا

"السترات الصفراء" ما لها وما علينا

أمينة خيري
07:56 م الإثنين 10 ديسمبر 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

"السترات الصفراء" ليست مجرد جموع محتجين أو متظاهرين أو معارضين لسياسات اقتصادية في فرنسا. لكنهم شد وجذب، وهري وهري آخر، وتلقيح كلام، وانتقام، وبكاء على لبن التظاهرات المسكوب وحلم الثورة المهدور وقائمة طويلة من ردود الفعل العربية، منها ما هو شعبي ومنها ما هو شبه رسمي على سترات فرنسا الصفراء.

سترات فرنسا الصفراء ليست شأنًا داخليًا كما يشيع البعض. وهل ليست مسألة لا تمت لبقية العالم بصلة كما يحاول البعض أن يتصور، لكنها في الوقت نفسه أيضًا ليست فرصة للجوء إلى جدران التشفي والانتقام، أو حتى للمعايرة والمنابزة. لكنها حتى اللحظة فرصة لفهم العالم وما أصابه عبر رصد وفهم وتحليل ما يثار حول السترات الصفراء.

السترات الصفراء وجدها أصدقاء "فايسبوكيون" "الاحتجاج الأعظم في القرن العشرين" و"إرادة المنتقم الجبار لينتقم ممن هيج المرتزقة وحرامية الثورة في ميدان التحرير". كما رأوها فرصة ذهبية للدق على أوتار الظلم الحادث في مصر والقهر البائن في المحروسة حيث ثوار الشانزليزيه الشرفاء نموذج للمتظاهر العظيم في بلد عظيم أخضع نظام الحكم للإذعان لرغبات الشارع. وتعاملوا معها أيضًا باعتبارها فرصة بلاتينية للدق على أوتار بعد نظر القيادة السياسية في مصر ونظام إدارة البلاد الحكيم الذي يقيها شرورًا مثل التظاهرات التي أتت على أحد أحلى وأرقى شوارع العالم.

شوارع العالم لم تعد حكرًا على مواطني هذه الدولة دون تلك. ففي العام 18 من الألفية الثالثة بات العالم – أو أغلبه- كتابًا مفتوحًا على مصراعيه. ما كان يجري في ميدان التحرير لم يكن حكرًا على المصريين – ثوارًا أو معادين للثوار، لكنه تحول إلى قضية رأي عام دولية ومثار اجتماعات وقرارات دولية، بعضها بغية تحديد مصير مصر والبعض الآخر لاستشراف المستقبل القريب ومعرفة الآثار المترتبة على الأحداث المصرية عالميًا.

وكذلك كان الحال أيضًا مع ما جرى في سوريا والعراق وتونس واليمن وغيرها. مجريات الدول لم تعد حكرًا على مواطنيها، إن لم يكن تحت وطأة كاميرات تليفزيونية وأخرى لهواتف محمولة يحملها مواطنون عاديون ينقلون الحدث وقت وقوعه، فبدافع حماية المصالح ودرء المهالك ومحاولة الخروج بأقل خسائر ممكنة وأكبر مكاسب متاحة، بالإضافة للتدخلات في تسيير وتغيير دفة الأحداث من قبل الدول المهيمنة والقادرة.

قدرة البعض على تحويل أحداث "السترات الصفراء" في فرنسا إلى مادة سواء لمعايرة أنظمة البلاد التي ينتمون إليها والتندر على ما يعانونه من قمع مقارنة بفرنسا التي يرون أنها أذعنت لرغبات الثوار الشرفاء، أو للاقتصاص – ولو بالتنكيت والتبكيت – من دولة يرون إنها اصطفت في صف الإخوان إبان رفض قطاعات عريضة من المصريين لحكمهم في عام 2013. وبحسب أصحاب هذه الرؤى، فما كان "ديمقراطية واحترام صندوق الانتخابات" رغمًا عن أنوف الملايين هو نفسه ما يجري اليوم في شارع الشانزليزيه ومنه إلى مناطق أخرى كثيرة في داخل فرنسا بل ويمتد منها إلى بلجيكا. هؤلاء رفعوا شعار "طباخ السم لازم يدوقه".

حتى تذوق وتقييم وهضم كلمات الشرطي الفرنسي الذي شكره الرئيس الفرنسي ماكرون على جهده الذي بذله "لحماية فرنسا" فرد الأخير إنه لا شكر على واجب لأنه يؤدي عمله، لكنه أضاف كلماته التي تحولت إلى معزوفة ثورية حقوقية إنسانية إنه أيضًا متضرر من الضرائب التي خرج بسببها الشعب مضيفًا "أشعر بالخزي سيدي الرئيس عندما أقمع أشخاصًا خرجوا للدفاع عن حقي".

كلمات الشرطي صارت مادة للتراشق عندنا. فهناك من رآها كلمات فارغة يجري استخدامها من قبل الحقوقيين ومن نصبوا أنفسهم ثوارًا مدى الحياة، ومنهم أيضًا من رد عليها بفيديو مغلوط نسبوه لشرطية فرنسية وزعموا أنها تقول للمتظاهرين: "اقتلوني ولا تخربوا باريس كما خرب العرب أوطانهم"، وتبين في النهاية أنها محتجة من السترات الصفراء ترتدي لباسا شبيها بالبذلات العسكرية توجه الكلام للشرطة قائلة: "من العار عليكم أن تفعلوا بنا هذا، نحن لسنا مسلحين".

ويظل معنى ردود الفعل وتضاربها وتناقضها وتداولها النزالي في بطن الشارع معربًا ومبينًا أن كلا منا يرى أحداث العالم من حوله من منظور أيديولوجيته وأولوياته ورؤاه المسبقة، أما تحليل الأحداث وفهمها في سياقها وتحليلها والتنبؤ بما تعنيه لنا، فتبقى أمورًا مؤجلة لحين إشعار آخر. إنها رؤى عربية لأحداث "السترات الصفراء" تحت شعار ما لها وما علينا.

إعلان

إعلان

إعلان