• وسواس التدين القهري

    وسواس التدين القهري

    أمينة خيري
    09:01 م الإثنين 05 نوفمبر 2018

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    الأهم في مثل هذه المنتديات واللقاءات قراءة ما بين السطور. فالتغطيات سهلة، ونقل الكلمات هينة، وشروحات الأجواء ميسرة. لكن ملاحظة نبرة صوت هنا، أو انتقاء عبارة بعينها هناك، أو التقاط غصة في كلمة هنا أو هناك أمور دالة ومهمة.

    أهمية ما قاله الرئيس السيسي في مداخلة "استأذن" ليطيل فيها بعض الشيء وهو جالس بين الحضور- تكمن في إشارة واضحة وصريحة للغط السخيف والجدل الرذيل الذي يثيره البعض في أعقاب الجرائم الخسيسة التي تستهدف مواطنين مصريين مسيحيين.

    فبين عبارات يتداولها البعض تحوي كلمات غير موفقة مثل "شركاء الوطن"، وتعازي، يتفوه بها البعض الآخر تدس سم التمييز في عسل المشاعر مثل "أهل الذمة" وتوجهات تفرق بين استهداف مسجد وكنيسة، تحدث الرئيس عن "أن سقوط مواطنين مصريين يؤلم كل المصريين".
    بساطة الكلمات لا يستهان بها، ولا سيما حين يكللها الرئيس برغبة واضحة لترسيخ رؤية وطنية ترتكز على جذور لتعامل الدولة مع مواطنيها، باعتبارهم سواءً، بغض النظر عن نوع الانتماء العقائدي.

    "هذه الرؤية في التعامل لا ينبغي أن تنتهي بانتهاء شخص ما".. هكذا قال الرئيس. وما يعنيه هو أن تعامل الدولة المصرية مع المواطنين ينبغي ألا ينطلق من مبدأ تعريف الديانة وتصنيف أتباعها، ولكن من مبدأ الانتماء لمصر عبر هوية مصرية.

    الهوية المصرية، التي يحارب البعض- ومنهم من هو كامن وقابع في داخل الكثير من مؤسسات الدولة- أركانها القائمة على التنوع والمدنية وقبول الاختلاف والترحيب به والسمو فوق العنصرية الدينية، تعرضت لانتهاكات بالغة على مدار ما يزيد على نصف قرن.

    نصف قرن من تهشيمٍ قواعد الثقافة المصرية، وتحقيرٍ لأركان الحضارة التي لم تقُم على انتماء عقائدي يتصور نفسه الأعلى والأرقى والأوحد الجدير بالمواطنة الكاملة لم تنته بعد، بل يمكن القول إن جهودًا عاتية تبذل "عيني عينك" لترسيخ الثقافات الواردة والتفسيرات الخاطئة التي شوهت ومسخت تفاصيل الحياة اليومية المصرية حتى أضحت بلا لون أو طعم، فقط رائحة وسواس ديني قهري.

    هذا الوسواس الديني القهري الذي خلق هالة مقدسة من الثقافة المرتدية جلبابًا دينيًا لا علاقة له بالدين يدركه الرئيس السيسي جيدًا. هذا الإدراك يبدو واضحًا كل الوضوح فيما يقول، وفي نبرة الصوت التي تعكس استمرار محاولات إقناع من اقتنصوا التفسير، واحتكروا الدين بأن عليهم واجب تصويب الخطاب.
    "اشمعنى المنطقة دي فيها أكبر كم من صراعات ولاجئين وضحايا؟" يتساءل الرئيس لعل البعض يتفكر! ورغم إدراكه الكامل بما يمكن أن يلتقطه المتربصون ويقتنصه المتصيدون، فيمضي قدمًا ويستنكر إصرار البعض على التشبث بأفكار كانت تحكم حياة الناس قبل ألف عام!!

    إنه لا يتحدث عن تغيير الدين، لكن تصويب التفسير. يقول: "إزاي تقنع المعنيين بهذا الأمر؟! لدينا مشكلة حقيقية في التعامل مع الدين!".
    إنها المقاومة العنيفة والعتيدة التي يراها كل ذي عينين في كل ركن من أركان مصر. في داخل الوزارات والمؤسسات والهيئات والشركات، نجح محتكرو التفسير والمهيمنون على فتاوى إرضاع الكبير ودخول الحمام بالقدم اليسرى وترديد دعاء ركوب المصعد والإفتاء بعورة المرأة بدءًا بالصوت مرورًا بأصابع القدم وانتهاء بالكيان والوجود في فرض درجات متفاوتة من الهمينة والسيطرة.
    وسواس التدين القهري الذي أنشب مخالبه في المجتمع المصري يحتاج حلحلة آنية وعلاجات وتدخلات، بعضها جراحي والبعض الآخر باطني. الوسواس الذي يدفع البعض إلى حمل السلاح وتفجير نفسه وقتل الآخرين ابتغاء مرضاة الله لا يختلف كثيرًا عن الوسواس نفسه الذي يجعل أحدهم على قناعة بأنه في منزلة أعلى لمجرد أن خانة ديانة الأهل في بطاق الهوية تقول "مسلم" أو "مسلمة". وهو كذلك الوسواس الذي يصور للبعض أن من حقه أن يقتطع بضعة أمتار من محطة المترو أو باحة الوزارة أو طرقة الشركة ليسدها المصلون إشهارًا لإيمانهم الشديد.
    قراءة ما بين السطور تشير إلى إرادة رئاسية للتصويب وتشبثات وتعلقات شعبية وغير شعبية بتلابيب وساوس التدين القهري.

    إعلان

    إعلان

    إعلان