لقينا الكنز

لقينا الكنز

أمينة خيري
09:00 م الإثنين 19 نوفمبر 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

من منا لم يتلق هذه الرسالة بشكل أو بآخر على مر أزمنة تاريخية مختلفة؟ "عمك" أو "أبوك" أو "خالك" "بيقولك لقينا الكنز وعايزين "نصرفه" أو "نطلعه" أو "نشوفله طريقة"؟ منا من قرأها وضحك واعتبرها والعدم سواء، ومنا من قرأها وفكر ثم راودته أحلام وردية وخيالات مضيئة، ومنا من دق قلبه وكذلك أصابعه بحثًا عن رقم الهاتف ليعرض المشاركة في تصريف الكنز!

تصريف الكنز المتمثل إما في قطع أثرية تقول الرسالة إنه تم العثور عليها أسفل بيت العم، أو قطع ذهبية تم اكتشافها داخل جدار الخال، أو أموال قارون ملفوفة بإحكام أسفل بيت الجدة، يعني أن من يبلع الطعم يجمع بين الرغبة البلهاء في الكسب السريع والاستعداد الفطري لاستلاب حقوق الغير.

حقوق الغير، ذلك المفهوم الذي تعرض للهرس والدهس والسحق، تعاني الأمرين. تحدث أحدهم عن حقك في شارع نظيف لا يتسع لقمامته التي ينثرها هنا وهناك فيحدثك عن حريته الشخصية في أن يغل ما يتراءى له. تطالب الجار بخفض صوت التليفزيون لأنه يمنعك من النوم، فيخبرك بأنه طالما التليفزيون داخل شقته فليس من حقك الشكوى. تخاطب المسجد المجاور بالتخلي عن أحد مكبرات الصوت العشرة، فتجد نفسك متهمًا بمعاداة الدين. تجادل الموظف الحكومي الذي يصر على تعقيد المتيسر وعرقلة السلس دون وجه حق، فيمعن في التعقيد ويبالغ في العرقلة. هؤلاء وغيرهم لم يفكروا يومًا في شيء اسمه "حقوق الغير".

الغير المتمثل في الأفراد أو الهيئات أو حتى الدول لا يعبر خيال المعتدين. المعتدي – ولو بالنية - على حق الدولة مثلاً فيما اكتشف تحت بيت أحدهم من آثار يؤمن بأن من حقه تمامًا أن يدفع بضعة آلاف ويحصل على نصيب من الكنز المكتشف. وإيمانه هذا يرتكز إما على أساس أن الدولة في عصور مضت سمحت بتهريب آلاف القطع الأثرية، "فمجاتش علي"، أو أن ما اكتُشِف من كنوز في محيط بيت أحدهم فهو ملك للساكن يتصرف فيها كيفما يشاء، أو لأن حلم الثراء السريع متمكن منه تمامًا.

وبغض النظر عن أسباب الإيمان، وبعيدًا عن كون هذه الرسائل لا تخرج عن إطار النصب والاحتيال، والاستفادة من موروث شعبي ما زال يحلق في سماء الكنز الهابط من السماء أو الصاعد من باطن الأرض، تظل ثقافة وفكرة حقوق الغير غائبة تمامًا.

الغريب أن غياب مفهوم حقوق الغير يصاحبه بنفس القوة في الإنكار ولكن في الاتجاه المضاد مفهوم حق النفس في كل كبيرة وصغيرة. هو يتوجه إلى عمله ويكتفي بالإمضاء حضورًا وانصرافًا دون إنجاز عمل يذكر لأن حقه الشخصي يملي عليه أن ذلك "على قد فلوسهم". وهي لا تشرح في الفصل لأن حقها الشخصي أشار عليها بتوفير جهدها للسنتر والدروس الخصوصية. وهؤلاء يلقون قمامتهم من نافذة السيارة وأمام المحل لأن حقوقهم الشخصية تؤمن بأنهم طالموا دفعوا خمسة جنيهات رسوم قمامة، فهذا يطلق أياديهم ويحرر قمامتهم. وأولئك لا يقومون بواجبهم في تنظيم المرور ومراقبة السرعات وتوقيف المخالفين لأن حقوقهم الشخصية نصحتهم بأن المواطن "عقله في راسه يعرف خلاصه".

خلاصة القول أن المفهومين يسيران في خطين متوازيين لا يتوقع لهما أن يتقاطعا. حق الغير مرفوض ومذموم، أما حقي الشخصي فمقدس ومبجل.

حق المصري في تحسين مستوى معيشته لا يتحقق بكنز مكتشف، أو بقطع أثرية يعتبرها ملكية خاصة له، لكنه يتحقق برفع وعيه لدرجة تؤهله لأن يعي بأن التحسين يحدث بالتعليم وتنمية المهارات ورفع القدرات والعمل والاجتهاد، وليس بالأنتخة والدق على الموبايل بحثًا عن كنز مفقود هبط من السماء هنا أو صعد من باطن الأرض هناك.

إعلان

إعلان

إعلان