الأخوة الإنسانية.. ثقافة السلام وصراع الحضارات

الأخوة الإنسانية.. ثقافة السلام وصراع الحضارات

08:29 م الثلاثاء 19 فبراير 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

بقلم: شريف سيد

أحد المشاركين في مؤتمر الأخوة الإنسانية

"باسم الله الذي خَلَقَ البَشَرَ جميعًا مُتَساوين في الحُقوق والواجبات والكرامة، ودعاهم للعيش كإخوة فيما بينهم ليعمّروا الأرض، وينشروا فيها الخير والمَحَبَّةِ والسّلام. باسم النفس البشريّة الطاهرة التي حَرَّمَ الله إزهاقّها، وأخبر أنه مَن جنى على نَفْس واحدة فكأنَّه جَنَى على البَشَريَّةِ جَمْعاء، ومن أَحْيَا نَفْسًا واحدة فكَأَنَّما أَحْيَا الناس جميعًا. باسم الفقراء والبؤساء والمحرُومِينَ والمُهمَّشينَ الّذين أَمَرَ الله بالإحسان إليهم ومد يَدِ العَوْن للتّخفيف عنهم، فرضًا على كُل إنسانٍ لاسيَّما كُلَّ مُقتدر وميسور. باسم الأيتام والأرامل، والمُهَجَّرين والنازحين من ديارهم وأوطانهم، وكُلُّ ضحايا الحُرُوبِ والاضطهادِ والظلم، والمُستضعَفِينَ والخائفين والأسرى والمُعَذَبِينَ في الأرض،دون إقصاء أو تمييز. باسم الشّعوب التي فقدَتِ الأمن والسّلام والتعايش، وحل بها الدّمارُ والخرَابُ والتناحر. باسم «الأخوة الإنسانية» التي تجمع البشر جميعاً وتوحدهم وتساوي بينهم."

هكذا افتتحت وثيقة الأخوة الإنسانية التي قام بتوقيعها الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، والبابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية؛ لمكافحة التطرف ونبذ العنف لتكون شاهدة على ميلاد عصر جديد من التسامح الديني وقبول الآخر والتي سيذكرها التاريخ في أسمى صفحاته.

في بداية كلماتي.. اسمح لي سيدي القارئ أن آخذك إلى التاريخ لأنه دائماً عين البدايات، فإنه ما من حلقة زمنية أو حقبة تاريخية مرت بها الإنسانية إلا وقيض الله فيها من حكماء وعقلاء هذه الحقبة من يستطيع أن يرسي -برسالته- قواعد السلام والمحبة بين البشر ممن نذروا حياتهم ليذكروا الناس بالقيم الأخلاقية والمشتركات البشرية التي ضلت وتاهت في وقت غاب فيه ضمير العالم الإنساني، وعانت فيه دول العالم -من الشرق والغرب- من التطرف، واكتوت فيه الشعوب بنار الإرهاب التي أمست بها بعض الحضارات رماداً من بعد جذوة!

وللمتلازمة التاريخية، فلم يكن هناك في واقعنا المعاصر من هو جدير بأن ينال هذه المكانة غير حكيمين وزعيمين دينيين هما شيخ الأزهر، وبابا الكنيسة الكاثوليكية، فكلا الرجلين بتأثيرهما الروحي والديني لدى ملايين المسلمين والمسيحيين فى العالم، يكتبان صفحة جديدة فى تاريخ العلاقات بين الإسلام والمسيحية، صفحة تتجاوز موروث الماضي وتتجه صوب المستقبل فضلاً عن مواجهة التحديات العالمية الراهنة.

وما أشبه الليلة بالبارحة، وما أشبه المناخ الذى صدرت فيه هذه الوثيقة، وثيقة الأخوة الإنسانية، بصراع الحضارات الذي استفحلت آثاره عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية والضمور الإنساني المفزع الذي أصاب الشعوب والدمار والخراب والقتل وجرائم الإبادة مما أدى إلى إصدار الإعلان العالمى لحقوق الإنسان فى عام 1948م، والذي عكف على كتابته وإعلانه وخروجه للنور جمع من الحقوقيين وذوي الضمير ممن أرادوا وضع ميثاق أخلاقي ملزم للدول والزعماء السياسين لتجنب حدوث تلك الفوضى الإنسانية الشنعاء مرة أخرى، وبما يواكب إصدار وثيقة الأخوة الإنسانية، فإن الإرهاب الفكري قد استفحل في مناحي الأرض من شرقها إلى غربها، وتفككت دول بأكملها وانتشرت ظاهرة اللجوء والنزوح، ولكن لرأفة الرب القدير بعباده فقد رزقهم بحكيمين أدركا ما يدار وما ينسج بعقول الشباب، فتكاتفا على إيضاح الحقيقة وإبراز القيم الإنسانية، واستصدرا وثيقة أتاحت للمعتدلين الاعتماد عليها من أجل نشر اعتدالهم و إنسانيتهم، حتى إن زعيم إحدى أكبر الطوائف الدينية بدولة الهند بعد الانتهاء من توقيع الوثيقة، وكنت أمشي بجواره وإذا به تترادف في حدقتيه الدموع فظننت أن أمراً ألمّ به فاقتربت منه فإذا به يتمتم (بالإنجليزية) ويقول "لقد كانت لحظة تاريخية"، وعندما رآني - وكنت معمماً- بش في وجهي وضحك وأقبل يسلم بحرارة، فظهرت على وجهي علامات الاندهاش - لعدم معرفتي بشخصه- فلاحظ ذلك وقال لي "أنا لم أتشرف بمعرفتك، ولكني أحببتك لأنك تلبس مثل هذا الرجل العظيم، وأشار إلى فضيلة الإمام!"

وقد أكرمني الله عز وجل بأن أكون جزءاً من هذا الحدث التاريخي الذي لم أشهده فقط كزائر؛ بل سافرت إلى مدينة الخير "أبو ظبي"؛ بدولة الإمارات العربية المتحدة كمنظم ومشارك في هذا الجهد العظيم بصفتي أحد أبناء الأزهر الشريف؛ وأحد شباب منتدى صناع السلام؛ والذي هو بالمناسبة رائعة إنسانية أخرى نُسجت لنفس الأهداف الإنسانية.

وبذكر دولة الإمارات، فإنها في الحقيقة لم تكن مجرد دولة مستضيفة للوثيقة الإنسانية الأكبر في عصرها، بل هي طرف منشئ ومؤسس لهذه الوثيقة من خلال الدور الذي اختارته لنفسها بتولي قادتها ريادة الدعوة إلى التسامح بين الأمم والشعوب ونشر قيم الإسلام والأخوة الإنسانية، وما ترتئيه لنفسها من مسؤولية حمل محتوى الوثيقة التاريخية والدعوة لها أخلاقياً وسياسياً تنفيذاً لوصايا المؤسس الأول سمو الشيخ زايد - رحمه الله - فكانت أول دولة في العالم تنشئ وزارة للتسامح وتصدر قانوناً لمكافحة التميز على أرضها، ولذلك عاش في رحابها أكثر من 8 مليون نسمة من 200 جنسية.

ولعلك تتساءل سيدي القارئ عن مدى التأثير العملي لهذه الوثيقة،ولذا فأنا أؤكد لك أن هذه الوثيقة هي دعوة عالمية من أكبر مرجعيتين دينيتين في العالم إلى جميع الدول وقاداتها السياسية؛ لنبذ الصراعات والعمل بالتعاليم التي أتت بها هذه الوثيقة وتجنيب العالم شرور الحروب وويلاتها وجسر الهوة بين الأغنياء والفقراء.

وأخيراً .. أختم كلامي بمقولة عظيمة كان ومازال فضيلة الإمام يذكرنا بها في كل جلسة خاصة أو محفل دولي، ولحسن حظي فلقد اكتشفت اليوم أنها اعتمدت كأحد مصادر التشريع للقانون الدولي -وقت أن تمت كتابته- بالأمم المتحدة، وهي قول الإمام علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه- لمالك الأشتر -رضي الله عنه- حين ولّاه على مصر موصياً إياه: "الناس إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق".

إعلان

إعلان

إعلان